ابن العربي
284
أحكام القرآن
المسألة الثالثة - فأما قوله : ببكّة ، ففيها ثلاثة أقوال : الأول : بكّة : مكّة . الثاني - بكّة : المسجد ، ومكة سائر الحرم . وإنما سمّيت بكّة لأنها تبكّ « 1 » أعناق الجبابرة ، أي تقطعها . وقال أبو جعفر وقتادة : إنّ اللّه سبحانه بكّ بها الناس ؛ فتصلّى النساء بين يدي الرجال ، ولا يكون في بلد غيرها ، وصورة هذا أنّ الناس يستديرون بالبيت فيكون وجوه البعض إلى البعض فلا بدّ من استقبال النساء من حيث صلّوا « 2 » . المسألة الرابعة - قوله تعالى : مَقامِ إِبْراهِيمَ * . فيه قولان : أحدهما - أنه الحجر المعهود ، وإنما جعل آية للناس ؛ لأنه جماد صلد وقف عليه إبراهيم ، فأظهر اللّه فيه أثر قدمه آية باقية إلى يوم القيامة . الثاني - قال ابن عباس : مَقامِ إِبْراهِيمَ * هو الحجّ كلّه ؛ وهذا بيّن ، فإنّ إبراهيم قام بأمر اللّه سبحانه ، ونادى بالحجّ عباد اللّه ، فجمع اللّه العباد على قصده ، وكانت شرعة من عهده ، وحجّة على العرب الذين اقتدوا به من بعده . وفيه من الآيات أنّ من دخله خائفا عاد آمنا ؛ فإنّ اللّه سبحانه قد كان صرف القلوب عن القصد إلى معارضته ، وصرف الأيدي عن إذايته ، وجمعها على تعظيم اللّه تعالى وحرمته . وهذا خبر عمّا كان ، وليس فيه إثبات حكم ، وإنما هو تنبيه على آيات ، وتقرير نعم متعدّدات ، مقصودها وفائدتها وتمام النعمة فيه بعثه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ فمن لم يشهد هذه الآيات ويرى ما فيها من شرف المقدّمات لحرمة « 3 » من ظهر من تلك البقعة فهو من الأموات . المسألة الخامسة - قال أبو حنيفة : إنّ من اقترف ذنبا واستوجب به حدّا ، ثم لجأ إلى الحرم عصمه ؛ لقوله تعالى « 4 » : وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً . فأوجب اللّه سبحانه الأمن لمن دخله ، وروى ذلك عن جماعة من السلف ، منهم ابن عباس وغيره من الناس .
--> ( 1 ) في ابن كثير : بمعنى أنهم يذلون بها ويخضعون عندها . ( 2 ) لم يذكر القول الثالث . وفي ابن كثير أقوال أخرى منها : بكة : البيت والمسجد . أو البيت وما حوله بكة ، وما وراء ذلك مكة . ( 1 - 383 ) . ( 3 ) هكذا في كل الأصول . ( 4 ) الآية السابعة والتسعون .